Category Archives: بقلمـــــــــــي

المقال صورة فكرية لكاتب مهمته تحريك الرؤوس وتحفيز النفوس

المطار

                                         images (3)

من الكلمات ما خرجت عن إطار الحروف المتراصة, لتصبح عالما فسيحا يموج بالشخوص و الأحداث والأشياء؛ فتتحرك فيه الجمادات, وتنطق المشاعر, وتتجسّم الذكريات؛ ويصبح للهواء رائحة, وللزمن صهيل وصليل, وللمكان صوت وصدى.

لازلت أذكر جدَّتي وهم يجبرونها جبرا على ركوب السيارة التي كانت تخشاها كالموت وتفرّ منها فرار الحمَل من الذئب, وأضحك في ذات الوقت من ولَع أطفالنا وفرحتهم حدّ الجنون بركوب الطائرات؛ فبعد أن انصهر العالم وتقاربت المسافات وسيطر شبح العولمة, أضحى السفر قدرا محتوما, حتى لا يكاد يخلو بيتٌ من غريب مسافر وراء لقمة العيش أو الدراسة أو العلاج أو السياحة.

ليس المطار مجرد بوابة للسفر أو محطة لإقلاع وهبوط الطائرات, إنما هو حياة كاملةٌ؛ تتعدد فيها الجنسيات, وتختلف المشارب, بينما تتوحد المشاعر الإنسانية؛ فتختلط دموع الوداع بنشوة العودة, وحزن الفراق ببهجة اللقاء, وعناق الرحيل بقبلات الوصول, وتكشيرة الذهاب بابتسامة الإياب.

في المطار يتحدث جواز السفر ليفصح عن الوجهة والسبب والتاريخ والجغرافيا, وذلك من خلال حصيلة التأشيرات التي ضمَّخت صفحاته ولونت جنباته؛ وربما لو أصغينا السمع لتناهت لنا أنَّاته وصرخاته من كثرة ما ناله من تدقيق وتمحيص؛ عبر أياد شتى تلقَّفته, وعيون جاحظة تفحَّصته, وأختام كثيرة صفعته, وبلاد عديدة استقبلته وودعته.

كثيرا ما ساءلت نفسي في جلسات الانتظار التي تطول في المطار عن سبب غلَبَة اللون الأسود على حقائب السفر…

هل لتقْوى على تحمُّل عذابات الغربة وآلام السفر؟

أم لتناسب دموع الرحيل وأحزان الفراق؟

 أم لتستر ما بها من لوازم الشتات وعتاد الترحال؟

أم هو انعكاس لخيبات الأمل وإحباطات الوطن؟

الوجوه في صالات السفر كتُب مفتوحة تقرأ فيها ما يعجز اللسان عن البوح به وتفضح مكنون النفوس والصدور؛ فهذا وجه شاحب ذابل أعياه المرض فعبَّأ آلامه في حقيبة سفره مؤمِّلا في علاج, وهذا وجه ناقم خلَّف وراءه وطنا هدَّه الظلم والفقر فعجز عن مؤونة العيش, وهذا وجه قلِق مضطرب يخوض غمار السفر للمرة الأولى فزاغ بصره ولا دَرَى كوعَه من بوعه, وهذا وجهٌ واثقٌ حنَّكته كثرة أسفاره فعرف وجهته وخفَّت حمولته وقلَّ مودِّعوه, وهذا أخيرٌ -أخالُه نفسي- تقاربت خطواته وتغضَّن وجهُه ولاح الشيب في جنباته وكأنَّه يردِّد مع بيرم التونسي قولته الشهيرة…ملِّيت أقطع تذاكر وشبعت يارب غربة.

ببب

ذكريات

 

قيِل عندما تشرق الشمس قَدِّم لها التحية؛ فانحنيت في نافذتي أرقب تلك الشعلة المقدسة؛ علّها تزيل غبش العيون وسخم النفوس وعناء القلوب، فما لاحت في سمائي شمسٌ ولا غرّد لي طير.

قيل حسنا، كن يقظا عندما يكتمل البدر، فأرخيت ستائري وتوضأت، وهيأت مخدعي لقمر يبدد ظلام الجهل ويؤنس ليل الفراق والغربة والظلم، فما ظفرت إلا بالمحاق والعرجون القديم وسورة الليل.

قيل الآن أسرع لشاطئ البحر واغنم الدرّ وصافح الموج، كَلَّت الأقدام وفي الرمال غاصت، وغاض البحر وانتحر الموج.

قيل ها قد مرّت الأيام وانتهى الزمن، فخذ مكانك بين الصخور، واكتب ذكريات عام مضى وانقضى على عَجَل.

قلت…عجبا، أنَّى لقتيل أو حبيس أو طريد أن يحوز قرطاسا ويملي على الزمن.

ياسدنة التاريخ؛ هذا عامٌ بلا شمسٍ ولا قمرٍ ولا بحرٍ ولا موجِ، فامحوه من التاريخ إن كان لكم عقل.

جفت الأقلام وطُويت الصحف.

خالد محمد خالد

image

اليوبيل الفضي

اليوبيل الفضي

خمس وعشرون عاما هي مجمل الحصاد منذ وطأت قدماي ثرى الطب وثريّاه عبر بوابة كلية الطب جامعة المنصورة في العام التاسع والثمانين بعد المائة التاسعة عشرة، تجولت في تلك الحقبة بين المستشفيات التعليمية والعسكرية والحكومية ثم عرجت – مجبرا لا بطلا-  على رياض السعودية وعُمان السلطنة، رحل في ثنايا تلك الرحلة الطويلة مَنْ داهمته المنيّة من أصدقاء الدراسة و زملاء العمل، كما ارتحل الكثيرون في فِجاج الغربة ودروبها الوعرة، تارة لبلاد العجم وتارة لبلاد العرب، يحمل كل منهم أملا بين جنبيه وهمّا فوق كاهليه؛ فمنهم من أعطته الحياة وعانقت، ومنهم من أعطته ظهرها وأدبرت. وبقي مرابطا في أرض الكنانة نذر يسير ممَّن غالب الحياة وغالبته صابرا محتسبا أو قانطا ساخطا.

 أطالع على مهل شريطا بطول ربع قرن من الزمان ؛ فيتراءى  لمخيلتي ذلك الزميل الذي عانى ما عانى حتى وصف لي الدراسة بأنها عين الكابوس ومنبع الغمّ والهمّ فإذا هو بِجِدِّه واجتهاده يرفل في أغلى الثياب ويمتشق أعلى الشهادات، ويمر بي طيف ذلك الزميل الذي عاش على هامش الطب ثم لامس الحياة زاهدا ورحل في صمت، ويغالبني الدمع حين أذكر زميلا طيب القلب لين المعشر دمث الخلق كتب نهاية  أحزانه على وقع أقدام فيروس سي اللعين، ويخالجني الأسى والحزن على زميل حاد عن الطريق ونكص عن الجادة وانحدر من ألق القيم والأخلاق إلى وهدة المال ومستنقع المادة، كما أثلج صدري كلُّ زميل لم يبدِّل أو يغَيِّر فظل نقيا صافيا وفيا يحفظ للزمالة حقها وللمهنة أخلاقها وللمريض كرامته وإنسانيته.

أكتاف تدافعت، وأنفاس لهثت، وضجيج علا، وغبار ثار بحثا عن حلم العيون الخمسة(عروسة، عيادة، عمارة، عربية، عزبة) التي ورثناها كابرا عن كابر… وها نحن نحط الرحال على شاطئ اليوبيل الفضي، ننفخ في رماد الذكريات، ونقلِّب الأوراق، ونسطّر المعادلات؛ في كشف حساب لما زرعنا، وجرد لما حصدنا؛ لنخطّ وثيقة جديدة لما ننتويه  في قابل الأيام  وصولا إلى اليوبيل الذهبي إن قدر الله وشاء.

الطب لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلّك؛ تلك مقولة أساتذتنا الفضلاء، وقليل من يطيقها، وناجح من يطبقها؛ أما مقولتي لزملاء الدراسة وأصدقاء المهنة وخريجي الدفعة بعد التحية والتهنئة والسلام…

البِدار البِدار؛ فالحمد لله أن مدَّ في آجالنا ونسأ في أعمارنا لنفتح صفحة عامرة بالخير نقية من الشوائب، نُسقط فيها هوي النفس وحظ الدنيا، ونعتذر لمن أسأنا، ونعانق من هجرنا، ونبذل لمن صددنا؛ فقد أوشك العمر على الرحيل وتهيأت القافلة للمسير.

حيّاكم الله.

العيد

 

العيد       

العيد من العوْد لأنه يتكرر مجيئه، وتصغيره عُيَيْد ويُجمع على أعياد، والأعياد مواسم للفرح والسرور وساحات للبهجة والحبور وأسوق للعطاء والجود. فيها الثوب القشيب  والعطر الأنيق، والبيت المُضاء والشارع المُزدان، واللهو الشريف والمتعة الحلال؛ ولها ينبض القلب  وترفرف الروح، وتلمع العيون وتبسم الثغور؛ وبها يلتئم الشمل ويعمّ الحب وتصفو النفوس، فتتصافح الأيدي وتتعانق الأجساد وتتواصل الضحكات.

يكفيك نظرة واحدة في زوايا وطن مكلوم على القهر والكبت ينام؛ لترقب أكفان الشهداء ترفرف في كل واد، وتحصي آلاف المعتقلين خلف القضبان، وتتحسر على المشرّدين خلف الحدود بلا قرار، وتعجز عن وصف دموع الأيامى والثكالى وذهول وشرود الآباء والأمهات والأطفال.

فهل بعد تلك اللوحة الجنائزية عيد؟

وهل مازال للفرحة تبرير؟

وهل من الوفاء أن نلبس الجديد  ونتلقّى التهاني والتبريكات بالعيد؟

نعم وحتما؛ هنالك عيد، تعلو فيه الأغاريد، و تصدح الأهازيج والأناشيد. نسمو فوق الجراح ولا ننساها، نهزأ بالرزايا ولا نبكيها، نزرع الأمل في نفوس محبينا، ونصدر اليأس لقلوب حاقدينا، نرسم صور الشهداء على البالونات، ونغني للحرية في الطرقات.

عيدنا دوما سعيد…

 سعيد لأننا على درب الحق نسير.

 سعيد لأن النصر قريب.

 سعيد لأن العيد دين.

 سعيد لأننا لن نعصى الله فيه.

اقتلوهم بالأمل واهزموهم بالتهليل والتكبير.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر،

لاإله إلا الله.

image

الكلمة

ثمان وعشرون حرفا هي مجمل لبنات لغة الضاد؛ نشيد منها كلمات تختلف رسما ونقشا حين تُكتب وتُخط، وتتفاوت جرْسا ونغما حين تُلفظ وتُسمع، كما تتباين في طعمها ومذاقها حين نعايشها ونكابدها.

طعم ومذاق!!!

نعم…

 من الكلمات مالها طعم الفاخر من الحلوى، والثمين من الشوكولاتة؛ فيسيل لها اللعاب، وتلمع لها العيون، وتنبسط من وقعها العضلات، بل وتحلق الروح من تأثيرها في العالي من الآفاق… ويكفيك من هذا كلمات الثناء والحب والتقدير.

 ومن الكلمات مالها طعم العلقم، ومذاق الحنظل؛ فتجذع منها النفوس، وتعبس لها الوجوه، بل وتخلِّف في الجسد الجروح… والأمثلة عصّية على الحصر.

جراحات السنان لها التئام…ولا يلتام ما جرح اللسان.

كثير من  الكلمات والألفاظ لا يعدو أن يكون حروفا متراصة؛ كطبل أجوف، ونبات حصرم، وبهرج كاذب… ولا أدل عليها من كلمات الفتات من الدبلوماسيين والسياسيين والغثاء من الإعلاميين؛ بما تحمله من وعود براقة، وكذب بواح.

 وقليل من الكلمات من يحمل معنى وفكرة تدير الرؤوس، وتسمن العقل وتغنيه من جوع… ولا أجدر بها إلا درر العلماء والمفكرين.

 وأقل القليل من تلك الكلمات من يحمل عمق المشاعر، ونزق العواطف، وبرد الأحاسيس؛ لتحنو على النفوس وتربط على القلوب، فيسيل الدمع مدرارا، أو يضحك القلب ملء شدقيه… وما أحوجنا إلي تلك الكلمات من شاعر أنيق أو أديب أريب أو مبدع حاذق.

الحذر الحذر …الكلمة إما بلسم شافِِ  أو  سم ناقع.

Posted on

image

النشل والنشر

تطورت حياة البشر من البداوة للحضارة، ولبس الإنسان الديباج وتخلى عن جلود الحيوانات، وركب سفينة الفضاء وودع سفينة الصحراء…ومعه تقدمت أساليب الدجل والاحتيال من مجرد قراءة فنجان وحديث للحصى والرمال إلى سرقة عبر الشاشات وقرصنة للعقول والأفكار. انتابتني الحماسة منتصرا للغة القرآن وراغبا في خدمة بني الإنسان، فشرعت في تأليف كتاب علمي صحي باللغة العربية ؛ ثم تناولت حبوب الشجاعة وقررت النشر؛ فوجدت ضالتي في موقع الكتروني يقدم نفسه على أنه ناشر للمعرفة وراع للثقافة ، يقدم للمؤلف خدمة التنسيق والتدقيق والتصميم ثم يخيره بين النشر الالكتروني المجاني أو التجاري أو الورقي؛ اغتنمت الفرصة وأرسلت مسودة الكتاب عَجِلاً جَزِلاَ . مرت الشهور ولا مجيب فغرد الحلم وطار؛ وبعد عام ونيف وأثناء تجوالي في سوق جوجل لتطبيقات الأجهزة المحمولة وجدت كتابي منشورا كتطبيق مجاني تم تنزيله من قبل خمسمائة متصفح ويتلقى عليه الناشل عبارات الشكر والتحفيز والامتنان .

يا للبجاحة …نشلوه ثم نشروه بعد أن سفكوا دمه وسلخوا جلده ومثلوا بجثته؛ فأزالوا الغلاف والصور والرسوم والجداول التوضيحية وبلا تنسيق أيضا أو تدقيق …فضيحة تفوق فضيحة الانقلاب المصري .

ماذا أقول !!! حسبي الله ونعم الوكيل .

أيها الناشرون …لو تعففتم عن الحرام لنلتموه في الحلال .

أيها المؤلفون …تحسسوا جيوبكم وعقولكم ؛ وأهلا بكم في عالم النشل .

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: