Monthly Archives: فبراير 2015

المطار

                                         images (3)

من الكلمات ما خرجت عن إطار الحروف المتراصة, لتصبح عالما فسيحا يموج بالشخوص و الأحداث والأشياء؛ فتتحرك فيه الجمادات, وتنطق المشاعر, وتتجسّم الذكريات؛ ويصبح للهواء رائحة, وللزمن صهيل وصليل, وللمكان صوت وصدى.

لازلت أذكر جدَّتي وهم يجبرونها جبرا على ركوب السيارة التي كانت تخشاها كالموت وتفرّ منها فرار الحمَل من الذئب, وأضحك في ذات الوقت من ولَع أطفالنا وفرحتهم حدّ الجنون بركوب الطائرات؛ فبعد أن انصهر العالم وتقاربت المسافات وسيطر شبح العولمة, أضحى السفر قدرا محتوما, حتى لا يكاد يخلو بيتٌ من غريب مسافر وراء لقمة العيش أو الدراسة أو العلاج أو السياحة.

ليس المطار مجرد بوابة للسفر أو محطة لإقلاع وهبوط الطائرات, إنما هو حياة كاملةٌ؛ تتعدد فيها الجنسيات, وتختلف المشارب, بينما تتوحد المشاعر الإنسانية؛ فتختلط دموع الوداع بنشوة العودة, وحزن الفراق ببهجة اللقاء, وعناق الرحيل بقبلات الوصول, وتكشيرة الذهاب بابتسامة الإياب.

في المطار يتحدث جواز السفر ليفصح عن الوجهة والسبب والتاريخ والجغرافيا, وذلك من خلال حصيلة التأشيرات التي ضمَّخت صفحاته ولونت جنباته؛ وربما لو أصغينا السمع لتناهت لنا أنَّاته وصرخاته من كثرة ما ناله من تدقيق وتمحيص؛ عبر أياد شتى تلقَّفته, وعيون جاحظة تفحَّصته, وأختام كثيرة صفعته, وبلاد عديدة استقبلته وودعته.

كثيرا ما ساءلت نفسي في جلسات الانتظار التي تطول في المطار عن سبب غلَبَة اللون الأسود على حقائب السفر…

هل لتقْوى على تحمُّل عذابات الغربة وآلام السفر؟

أم لتناسب دموع الرحيل وأحزان الفراق؟

 أم لتستر ما بها من لوازم الشتات وعتاد الترحال؟

أم هو انعكاس لخيبات الأمل وإحباطات الوطن؟

الوجوه في صالات السفر كتُب مفتوحة تقرأ فيها ما يعجز اللسان عن البوح به وتفضح مكنون النفوس والصدور؛ فهذا وجه شاحب ذابل أعياه المرض فعبَّأ آلامه في حقيبة سفره مؤمِّلا في علاج, وهذا وجه ناقم خلَّف وراءه وطنا هدَّه الظلم والفقر فعجز عن مؤونة العيش, وهذا وجه قلِق مضطرب يخوض غمار السفر للمرة الأولى فزاغ بصره ولا دَرَى كوعَه من بوعه, وهذا وجهٌ واثقٌ حنَّكته كثرة أسفاره فعرف وجهته وخفَّت حمولته وقلَّ مودِّعوه, وهذا أخيرٌ -أخالُه نفسي- تقاربت خطواته وتغضَّن وجهُه ولاح الشيب في جنباته وكأنَّه يردِّد مع بيرم التونسي قولته الشهيرة…ملِّيت أقطع تذاكر وشبعت يارب غربة.

ببب

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: